ابن كثير

229

البداية والنهاية

العيش وقلة ما بأيديهم من الأطعمة وعلف الدواب ، وكثرة ما معهم من الكلف ، فرأوا أن هذا حال يطول عليهم ، ومقتوا أمرهم غاية المقت ، وتطايبت قلوبهم وقلوب أولئك مع أهل البلد على كراهته لقوة نفسه فيما لا يجدي عليه ولا عليهم شيئا ، فبايعوا على المخامرة عليه ، فلم يبق معه سوى حاشيته في أقل من ساعة واحدة ، فلما رأى الحال على هذه الصفة كر راجعا هاربا من حيث جاء وصحبته الأمير سيف الدين رقطبة ( 1 ) نائب طرابلس ، وأميران آخران ( 2 ) ، والتقت العساكر والأمراء ، وجاءت البشارة إلى دمشق قبل الظهر ففرح الناس فرحا شديدا جدا ، الرجال والنساء والولدان ، حتى من لا نوبة له ، ودقت البشائر بالقلعة المنصورة ، فأرسلوا في طلب من هرب ، وجلس الفخري هنالك بقية اليوم يحلف الأمراء على أمره الذي جاء له ، فحلفوا له ، ودخل دمشق عشية يوم الخميس في أبهة عظيمة ، وحرمة وافرة ، فنزل القصر الأبلق ونزل الأمير تغردمر بالميدان الكبير ، ونزل عمارى بدار السعادة وأخرجوا الموساوي الذي كان معتقلا بالقلعة ، وجعلوه مشدا على حوطات حواصل الطنبغا وكان قد تغضب الفخري على جماعة من الأمراء منهم الأمير حسام الدين السمقدار ، أمير حاجب بسبب أنه صاحب لعلاء الدين الطنبغا ، فلما وقع ما وقع هرب فيمن هرب ، ولكن لم يأت الفخري ، بل دخل البلد فتوسط في الامر : لم يذهب مع ذاك ولا جاء مع هذا ، ثم إنه استدرك ما فاته فرجع من البار إلى الفخري ، وقيل بل رسم عليه حين جاء وهو مهموم جدا ، ثم إنه أعطي منديل الأمان ، وكان معهم كتاب السر القاضي شهاب الدين بن فضل الله ، ثم أفرج عنهم ، ومنهم الأمير سيف الدين حفطية وكان شديد الحنق عليه ، فأطلقه من يومه وأعاده إلى الحجوبية ، وأظهر مكارم أخلاق عظيمة ، ورياسة كبيرة ، وكان للقاضي علاء الدين بن المنجا قاضي قضاة الحنابلة في هذه الكائنة سعي مشكور ، ومراجعة كبيرة للأمير علاء الدين الطنبغا ، حتى خيف عليه منه ، وخاطر بنفسه معه ، فأنجح الله مقصده وسلمه منه ، وكبت عدوه ولله الحمد والمنة . وفي يوم السبت السادس والعشرين منه قلد قضاء العساكر المنصورة الشيخ فخر الدين بن الصائغ عوضا عن القاضي الحنفي ( 3 ) ، الذي كان مع النائب المنفصل ، وذلك أنهم نقموا عليه إفتاءه الطنبغا بقتال الفخري ، وفرح بولايته أصحاب الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله ، وذلك لأنه من أخص من صحبه قديما ، وأخذ عنه فوائد كثيرة وعلوما . وفي يوم الأربعاء سلخ رجب آخر النهار قدم الأمير قماري ( 4 ) من عند الملك الناصر بن

--> ( 1 ) في السلوك 2 / 585 : أرقطاي . ( 2 ) وهما : اسنبغا بن بكتمر البوبكري وأيدمر المرقبي من أمراء دمشق ( السلوك 2 585 ) . ( 3 ) وهو قاضي القضاة حسام الدين الغوري الحنفي ( السلوك 2 / 591 ) . ( 4 ) وهو قماري بن عبد الله الناصري توفي سنة 743 أما في الدرر الكامنة فقد جعل وفاته في أواخر سنة خمس أو أوائل سنة 746 ه‍ . ( 3 / 256 ) .